المحقق البحراني

71

الكشكول

ومن غريب المنقول : ما حكى إسحاق النديم عن أبيه قال : استأذنت الرشيد أن يهب لي يوما أكون مع جواري ، فاذن لي في يوم السبت فأقمت في منزلي وأمرت بوابي باغلاق الباب وأن لا يأذن لأحد ، فبينما أنا في مجلسي والحرم قد حففن بي إذا أنا بشيخ عليه هيبة وجمال وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكاز مقمع بفضة وروائح الطيب تفوح منه ، فدخلني من دخوله أمر عظيم مع ما قدمت إلى البواب فسلم علي بأحسن سلام وجلس وأخذ في حديث الناس وأيام العرب وأشعارها حتى سكن ما بي ، فظننت أن غلماني أدخلوه علي للمسرة بأدبه فعرضت عليه الطعام فأبى وقلت له في الشراب فقال ذلك إليك ، فشربت رطلا وسقيته مثله فقال : يا أبا إسحاق هل لك أن تغني فنسمع منك ما قد فقت به على الخاص والعام ، فغاظني منه ذلك وأخذت العود وغنيت فقال : أحسنت يا أبا إبراهيم ، ثم قال : زدنا فنكافيك فأخذت العود وغنيت ، فقال : أحسنت يا سيدي أتأذن لعبدك في الغناء ؟ فقلت : نعم ، واستضعفت عقله كيف يغني بحضرتي بعد ما سمعه مني ، فأخذ العود وحبسه فو اللّه لقد خلته ينطق بلسان واندفع يغني : ولي كبد مقروحة من يبيعني * بها كبدا ليست بذات قروح أباها على الناس أن يشترونها * ومن يشتري ذا علة بصحيح قال : إبراهيم : فظننت أن الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يجيبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ولا الحركة ثم غنى : « ألا يا حمات اللرى » الأبيات ، ثم قال : يا أبا إبراهيم خذ هذا الغناء وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك ، ثم غاب عني فقمت وعدوت نحو البواب وقلت للجواري : أي شيء سمعتن ؟ فقلن : سمعنا أحسن غناء فخرجت إلى الباب فوجدته مغلقا فسألت البواب عن الشيخ فقال : فو اللّه ما دخل إليك اليوم أحد من الناس ، فرجعت متأملا فإذا به قد هتف من جانب الدار : لا بأس عليك أنا إبليس وقد اخترت منادمتك في هذا اليوم فركبت إلى الرشيد واتحفته بهذه التحفة فقال : اعتبر الأصوات فأخذتها فإذا هي راسخة في صدري فطرب الرشيد فأمر لي بصلة فقال : ليته امتعنا يوما واحدا كما أمتعك . خرج : الرشيد إلى بعض الرساتيق فتظلمت إليه امرأة من جنده فقال : أما تقرءين كتاب اللّه : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها فقالت : يا أمير المؤمنين إنما قرأت : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا قال : صدقت فأمر بإخراج العسكر من تلك الناحية . مس : عبد ساق مولاه فقال : ما تفعل يا غلام ؟ فقال : يا مولاي أعذرني فإني زعمتك مولاتي .